علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

95

شرح جمل الزجاجي

بالإعمال ، لأنّ " كفاني " يطلب " قليلا " و " لم أطلب " يطلب " الملك " ، كأنّه قال : ولم أطلب الملك ، لأنّ حقيقة الإعمال أن يتقدّم عاملان كل واحد منهما طالب للمعمول ، و " لم أطلب " لا يتسلّط هنا على القليل ، ألا ترى أنّه لا يصح : لو أنّ سعيي لأدنى معيشة لم أطلب قليلا من المال ، لأنّه إذا لم يسع لأدنى معيشة ، فإنما يطلب الكثير ، فكان حقه أن يقول : لطلبت القليل ، فهو غير متسلّط عليه ، فلهذا قلنا إنّه ليس من باب الإعمال ، والعامل إنّما هو " كفاني " . فإن قيل : لأيّ شيء جعلت " لم أطلب " جوابا ل " لو " وعطفت على " كفاني " حتى لزم هذا ؟ وهلّا جعلت الجملة في قوله : " ولم أطلب " ، معطوفة على قوله : " فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة كفاني " . وكأنّه قال : وأنا لم أطلب قليلا ، فيتصور توجيهه عليه ، فيكون من باب الإعمال . فالجواب : إنّ هذا لا يتصوّر ، وقد كان الأستاذ أبو علي الشلوبين يجعله من الإعمال بهذا الطريق ، ووجه بطلان أنّ العاملين في هذا الباب لا بدّ أن يشتركا ، وأدنى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبرا ، أو يكون الفعل الثاني معمولا للأول ، وذلك نحو قولك : " جاءني يضحك زيد " ، فتجعل في " جاءني " ضميرا أو في " يضحك " حتى لا يكون هذا الفعل فاعلا ، وأقل ذلك حرف العطف حتى تكون الجملتان قد اشتركتا أدنى اشتراك ، فيسهل الفصل . وأما إذا جعلت : " ولم أطلب " معطوفا على " فلو أنّ ما أسعى " ، فإنّك تفصل بجملة أجنبية ليست محمولة على الفعل الأول ، فتكون إذ ذاك بمنزلة : " أكرمت وأهنت زيدا " ، والعرب لا تتكلّم بهذا أصلا . وسيبويه ، رحمه اللّه ، لم يجئ به على الإعمال ، بل جاء به على أنّه من غير الإعمال ، ألا ترى إلى قوله : " فإنها رفع " لأنّه لم يجعل القليل مطلوبا ، وإنما المطلوب عنده الملك ، ف " أطلب " لا يتوجه على القليل ألا تراه يقول : ولو لم يرد ذلك ونصب لفسد المعنى .

--> - والشاهد فيه قوله : " كفاني ولم أطلب قليل " ، حيث جاء قوله : " قليل " فاعلا ل كفاني " ، وليس البيت من باب التنازع ، لأن من شرط التنازع صحّة توجّه كلّ واحد من العاملين إلى المعمول المتأخّر مع بقاء المعنى صحيحا ، والأمر ههنا ليس كذلك ، لأنّ القليل ليس مطلوبا .